ابن أبي الحديد

360

شرح نهج البلاغة

ومثل هذا قولهم : من عرف بالصدق جاز كذبه ، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه . وجاء في الخبر المرفوع : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب . وقال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف . وقالوا في قوله تعالى : ( لا تؤاخذني بما نسيت ) ( 1 ) ، لم ينس . ولكنه من معاريض الكلام وكذلك قالوا في قول إبراهيم : ( إني سقيم ) ( 2 ) . وقال العتبى : إني لأصدق في صغار ما يضرني ، فكيف لا أصدق في كبار ما ينفعني ! وقال بعض الشعراء : لا يكذب المرء إلا من مهانته * أو عادة السوء أو من قلة الأدب لعض جيفة كلب خير رائحة * من كذبة المرء في جد وفى لعب . شهد أعرابي عند معاوية بشهادة ، فقال له : كذبت ، فقال : الكاذب والله المتزمل في ثيابك ، فقال معاوية : هذا جزاء من عجل . وقال معاوية يوما للأحنف - وحدثه حديثا ، أتكذب ؟ فقال له الأحنف : والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين أهله . ودخل عبد الله بن الزبير يوما على معاوية فقال له : اسمع أبياتا قلتها - وكان واجدا على معاوية - فقال هات ، فأنشده : إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حد السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل . فقال معاوية : لقد شعرت بعدنا يا أبا بكر ، ثم لم يلبث معاوية أن دخل عليه معن

--> ( 1 ) سورة الكهف 73 . ( 2 ) سورة الصافات 89 .